"وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالهمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ"
تخيل نفسك في يومٍ من الأيام ضائعًا في وسط الصحراء القاحلة، ونفذ الماء والطعام منك، ووصلت نفسك إلى الهلاك من التعب والظمأ، تتوقف حينها عن الإحساس بقدميك من كثرة المشي في هذه الصحراء الواسعة، حين خارت قواك كلها وظننت أن لا نهاية لهذه الفلاة الساخنة، وفجأة تبصر عيناك بركة ماء وتظن أنها الخلاص، تقترب شيئًا فشيئًا للماء الصافي اللامع من برودته ياربِ الآن أستطيع ريّ عطشي، والاستسلام للراحة والنعيم، خطوة بخطوة، لكنك لن تصل ولن تصل إلى البركة، لأنها لا وجود لها، فهي مجرد سراب في وسط صحراء قاحلة.
عندما تسخن وترتفع حرارة الصحراء بسبب الشمس، ويصبح هواء الأرض أكثر حرارة وأقل كثافة من الهواء الذي فوقه، عندها يمر الضوء القادم من السماء أو من أجسامٍ أخرى عبر طبقات من هواء بدرجات مختلفة، يصبح الضوء منكسراً ومنحنيًا بدلًا من أن يسير بخط مستقيم، فترى العين المجردة هذا الضوء وتضنه انعكاسًا عن سطح الماء. وهذه الظاهرة تسمى (السراب Mirage) وهو نوع من الوهم البصري. ومن أنواع السراب أن بعض الأشياء البعيدة قد تبدو أقرب مما هي في الحقيقة.
لم تُكتشف في العلم الحديث، بل ذكرها العلماء في القرن السابع عشر والتاسع عشر ميلادي مثل ديكارت ونيوتن، لكن الأساس العلمي الأول يرجع للعالم المسلم في البصريات والفيزياء (الحسن بن الهيثم) في كتابه الشهير - كتاب المناظر - في القرن الحادي عشر ميلادي.
تخيل معي أن هذه الظاهرة ذكرت في القرآن الكريم قبل 1400 سنة في قوله تعالى:
-تفسير الجلالين-
"وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالهمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ" جَمْع قَاع : أَيْ فِي فَلَاة وَهُوَ شُعَاع يُرَى فِيهَا نِصْف النَّهَار فِي شِدَّة الْحَرّ يُشْبِه الْمَاء الْجَارِيَ "يَحْسَبهُ" يَظُنّهُ "الظَّمْآن" أَيْ الْعَطْشَان "مَاء حَتَّى إذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدهُ شَيْئًا" مِمَّا حَسِبَهُ كَذَلِكَ الْكَافِر يَحْسَب أَنَّ عَمَله كَصِدْقِهِ يَنْفَعهُ حَتَّى إذَا مَاتَ وَقَدِمَ عَلَى رَبّه لَمْ يَجِد عَمَله أَيْ لَمْ يَنْفَعهُ "وَوَجَدَ اللَّه عِنْده" أَيْ عِنْد عَمَله "فَوَفَّاهُ حِسَابه" أَيْ جَازَاهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا "وَاَللَّه سَرِيع الْحِسَاب" أَيْ الْمُجَازَاة
أصبح السراب وهمًا كبيرًا يعيشه الإنسان حين يركض وراء ما يظنه نجاة، ليجد في النهاية أنه كان يطارد لا شيء سوى الخداع.
يقول ابن القيم : وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ يُقَال يَوْم الْقِيَامَة لِلْيَهُودِ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ؟ فَيَقُولُونَ كُنَّا نَعْبُد عُزَيْر اِبْن اللَّه . فَيُقَال كَذَبْتُمْ مَا اِتَّخَذَ اللَّه مِنْ وَلَد مَاذَا تَبْغُونَ ؟ فَيَقُولُونَ يَا رَبّ عَطِشْنَا فَاسْقِنَا فَيُقَال أَلَا تَرَوْنَ ؟ فَتُمَثَّل لَهُمْ النَّار كَأَنَّهَا سَرَب يُحَطِّم بَعْضهَا بَعْضًا فَيَنْطَلِقُونَ فَيَتَهَافَتُونَ فِيهَا وَهَذَا الْمِثَال مِثَال لِذَوِي الْجَهْل الْمُرَكَّب فَأَمَّا أَصْحَاب الْجَهْل الْبَسِيط وَهُمْ الطِّمَاطِم الْأَغْشَام الْمُقَلِّدُونَ لِأَئِمَّةِ الْكُفْر الصُّمّ الْبُكْم الَّذِي لَا يَعْقِلُونَ فَمِثْلُهُمْ ،فَكَذَلِكَ الْكَافِر يَحْسَب أَنَّهُ قَدْ عَمِلَ عَمَلًا وَأَنَّهُ قَدْ حَصَّلَ شَيْئًا فَإِذَا وَافَى اللَّه يَوْم الْقِيَامَة وَحَاسَبَهُ عَلَيْهَا وَنُوقِشَ عَلَى أَفْعَاله لَمْ يَجِد لَهُ شَيْئًا بِالْكُلِّيَّةِ قَدْ قُبِلَ إِمَّا لِعَدَمِ الْإِخْلَاص أَوْ لِعَدَمِ سُلُوك الشَّرْع كَمَا قَالَ تَعَالَى : " وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَل فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَنْثُورًا "
اللهم لا تجعلنا ممن ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يظنون أنهم يحسنون صنعا.
مقتطافات من كتاب "ابن الهيثم"؛









*
﴿وَالَّذينَ كَفَروا أَعمٰلُهُم كَسَرابٍ بِقيعَةٍ يَحسَبُهُ الظَّمـٔانُ ماءً حَتّىٰ إِذا جاءَهُ لَم يَجِدهُ شَيـًٔا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفّىٰهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَريعُ الحِسابِ﴾ [النور: 39 - 39]
سبحان الله 💚💚💚💚